عني
عندما كنتُ صغيرًا وجميلًا
محمود درويش
غالبية الأشجار تنمو عموديًا، لكن هناك أشجار تنمو أفقيًا، ولو كنتُ أنا شجرة، لكنتُ من النوع الثاني؛ أمتد واتشعب وفي المنخفضات والأماكن المنزوية البعيدة، لا لأنني أخاف الارتفاع، ولا حبًّا بالأرض، بل لأن سقفًا، أو بالأحرى سقوفًا، فُرضت عليَّ وحاصرتني من كل اتجاه، فتمددت فوق الأرض المنخفضة المعتمة.
أنا من الجيل الذي حُفّظ عن ظهر قلب «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا». فنشأتُ مليئة بالشعور بالذنب تجاه ذنوب لم أرتكبها وتجاه نفسي كأمرأة. أما الخوف، فلا أشبّهه بظلّي الذي قد يختفي عندما يتعامد ضوء الشمس على الأرض، بل كان مثل لون جلدي؛ يسكن معي ليلًا ونهارًا. ففي الحياة أن تحت عين الرقيب العتيد، وفي موتي تنتظرني ضمّة القبر والشجاع الأقرع.
تخرجتُ من الثانوية، ثم التحقتُ بجامعة قطر، ودرستُ البكالوريوس في الكيمياء البحتة، ليس لأنني أحبها، بل لأن الهندسة، وهي خياري العقلاني، لم تكن متاحة، ولأن علم النفس والأدب، وهما الخياران الأقربان إلى قلبي، كانا يعنيان البطالة.
تسلّمتُ وظيفة حكومية في مختبر أحد المستشفيات، وكانت الوظيفة الحكومية في ذلك الوقت، كما يقول عمرو دياب في أغنيته:
«عارف إنت الحظ؟ أهو إنت الحظ».
تلك الوظيفة لم تكن تشبهني، ولم أكن أشبهها. كنتُ فيها كرجل طويل عريض، صارم الملامح، يرتدي فستان زفاف ورديًّا.
بقيتُ سنوات طويلة وأنا غير راضية تمامًا عن عملي الذي يقضم نصف يومي، وغير قادرة على الانتقال إلى وظيفة في القطاع الخاص، فسقف الخوف كان أعلى من سماء المغامرة. فضلًا عن أن القطاع الخاص كان، في الحقيقة، خاصًّا بالرجال، وحصتنا نحن النساء كانت صغيرة، وغالبًا ما كانت تذهب إلى صاحبات الحظوة.
في تلك السنوات، حصلتُ على درجة الماجستير الأولى في إدارة القطاعات الصحية من جامعة سوانزي في ويلز. دفعتُ تكاليفها من راتبي المتواضع، وبقيتُ حينها سنتين أتسلّم نصف راتبي، الذي لم يكن يتجاوز خمسة آلاف ريال. وبالمناسبة، كانت تكاليف جميع شهاداتي، بدءًا من البكالوريوس وحتى الدكتوراه، من مالي الخاص أو من مال أسرتي؛ لأن سقوف حياتي المنخفضة لم تسمح لي بالاستمتاع بما يُسمّى بالمنح الدراسية، التي كانت تتساقط على من حولي كالمطر.
دخلتُ عالم الكتابة بصورة رسمية في جريدة «الوطن»، في صفحة كتّاب الرأي، وكان الدكتور عثمان الصيني هو من أتاح لي هذه الفرصة. أتصور أنه لا يذكرني، لكنني لا أنسى فضله. وبعد عدة سنوات، أصدرتُ كتابَ «مذكرات موظفة سعودية»، الذي تناول مشاهداتي خلال تلك المرحلة. وهذا الكتاب بالنسبة إليَّ كابني البكر؛ تعلّمتُ الكتابة من خلاله، والأهم أنني أحبّه بكل مشكلاته التي صنعتها بنفسي.
ثم تغيّر حال البلاد، وبدأنا، نحن النساء، نلتقط أنفاسنا. فتركتُ الوظيفة الحكومية وانتقلتُ إلى وظيفة أخرى في القطاع الخاص، حيث كنتُ أبدأ يومي في السادسة صباحًا، ولا أعود إلى منزلي إلا بعد غروب الشمس. وخلال سنوات عملي في القطاع الخاص، حصلتُ على درجة الماجستير الثانية في التخصص الأحب إلى قلبي، وهو الاستشارات النفسية، بتخصصٍ دقيقٍ في الصدمات والكوارث.
في تلك السنوات، توقفتُ تمامًا عن الكتابة، وعرفتُ إجابة سؤال مهم: لماذا كان معظم كتّاب العالم العربي، إن لم يكن جميعهم، يعملون في وظائف حكومية، ولا يشغلون مناصب مديرين تنفيذيين أو مهندسي مشاريع؟ لأن رحى القطاع الخاص الرأسمالي تطحن الإنسان، فلا تُبقي فيه رمقًا، والكتابة كائن رقيق لا يزدهر وسط ذلك الكفاح.
توقفتُ أيضًا، متعمدة، عن اقتناء الكتب وقراءتها. في ذلك الوقت، كنتُ أرى أن القراءة نشاط انقراضي، هو لا يتجاوز نقل المعرفة من المكتبة إلى الرأس، ثم أذهبُ أنا ورأسي تحت الأرض، وتنتهي القصة بالعدم؛ إذ لا شيء يستطيع المثقف أن يفعله.
أضاف إليَّ تخصصي في علم النفس والصدمات، ثم دراستي للدكتوراه في سيكولوجية المجتمع، عمقًا في فهم النفس البشرية. فلم أعد أرى الناس كما يظهرون للعين، بل صرتُ أراهم بأبعاد متعددة؛ تاريخهم ودوافعهم والجوانب الخفية من شخصياتهم، لم أعد قادرة على البقاء على سطح العلاقات والأفكار، وهذا الأمر ترك آثارًا كثيرة في حياتي، وربما غير جيدة، ففقدتُ نعيم الجهل، عدا تأثيره في قدرتي على الكتابة، لكنه، في المجمل، أمر له ما له وعليه ما عليه.
ثم جاءت سنة كورونا التي قسمت حياة الكثير من البشر “قبل وبعد”، في تلك السنة قابلت زميلًا من المثقفين أكنّ له كل الاحترام، في ذلك اللقاء حدّثني عن الكتب والكتابة والمدونات، فأعاد حديثه أحيا حب الكتابة بعد أن غطاه غبار السنين.
بعد ذلك اللقاء، أصدرتُ خلال سنتين كتابين: «أحباب شفيقة»، ثم «الهيدرا».
تقاعدتُ قبل إكمال سنوات الخدمة، وأنا الآن متزوجة من رجل طيب القلب، جميل المعشر، متفرغة لأحلام قديمة كنتُ أتوق إلى تحقيقها. منها هذه المدونة، بعد إلحاح من أشخاص أثق بآرائهم؛ لأجمع فيها شتات أعمالي وأفكاري، وأجعلها متاحة لنفسي أولًا، ثم لكل من يرغب في قراءتها.